المولد والنشأة (المحطة الثانية)
أشرنا في الحلقة السابقة في سياق حديثنا عن المحطة الحياتية الأولى بأن الأقدار شاءت بعد مولد الشهيد الملازم/علي عبدالمغني بفترة وجيزة أن ينفصل أبواه «بالطلاق»، وبعد أربعة أعوام من مولده توفي والده، وهي الحقائق التي يتفق عليها رواة سيرته، إلا أن هناك روايتان حول كفالته بعد وفاة والده الأولى تشير (إلى أن عمته «أخت أبيه» كفلته وأشفقت عليه وغمرته بحنانها وحبها فكانت هي الأب والأم له، تحت ملاحظة خاله الحاج/محمود علي مجمل الياجوري، وإشراف عمه شقيق والده الشيخ/عبدالفتاح حسين أحمد عبدالمغني، الذي كان يسكن في محل كتاب، فلقد كان يذهب إلى محل بيت الرداعي للاطمئنان على أبن أخيه وكريمته،وكان يسلم نفقات ومصروف أبن أخيه إلى يد عمته) «5»، والرواية الثانية (أنه بعد وفاة أبيه لم يكن أمام والدته، التي تزوجت من الحاج أحمد علي ضيف الله، من سبيل إلا أن تشمله برعاية كاملة، وجدت دعماً ومساندة من الأخوال ومن العم «زوج الأم» ضيف الله، الذي ينتمي لمديرية النادرة المحطة الثانية التي تابع فيها «علي» مراحل حياته الأولى بعد أن كان مولده في السدة، والأثنتان تابعتان للواء إب)«6».
ثانياً: المسيرة العلمية والمعرفية
إن الحديث عن المسيرة العلمية والمعرفية للشهيد الملازم/علي عبدالمغني يقتضي منا أولاً الإشارة بإيجاز شديد إلى أن التعليم في القسم الشمالي من يمن ماقبل الثورة كان مبعثراً في صورة كتاتيب.. ولم يكن هناك منهجاً أو كتباً مطبوعة، فالمدرسة عبارة عن غرفة دراسية وغالباً ماتكون تابعة للمساجد، ولم يكن التعليم بدافع من الدولة على أساس أنه حق للمواطنين«7»، وكان مستوى التعليم لايتجاوز قراءة القرآن ودراسة القواعد الأساسية لعلم الحساب، وكانت نسبة الأمية تتراوح في اليمن بين 95-99% في ظل العهد الإمامي المظلم، الذي كان يتخذ من فرض الظلام والجهل على اليمنيين طريقاً مضموناً لبقاء نظامه والحفاظ عليه، ولذلك فإن الأئمة لم يعطوا أي اهتمام من الناحية العملية لمسألة تنوير الشعب«8»، وأن التعليم بشكله الحديث والمنظم لم يدخل اليمن في هذه الحقبة إلا في أربع مدارس هي: «المدرسة الثانوية، والمتوسطية بصنعاء، والمدرسة الثانوية بتعز، والمدرسة الثانوية بحجة»«9»، وأن هذه المدارس لم تكن تقبل الطلاب إلا بأمر أو توصية من «الإمام» مباشرة «10».
وهكذا يتضح من كل هذا ومما سيأتي أن حق كل إنسان في التعليم هو وليداً شرعياً للثورة الظافرة، وأنه أحد المكتسبات الهامة التي تحققت للمجتمع اليمني بفضلها، وكان في مقدمة المقومات الأساسية لبناء الدولة الحديثة، باعتباره دعامة قوية من دعامات إحراز التقدم العلمي والتكنولوجي في البلاد، من ثم يتحقق به بلوغ الأهداف الروحية والاقتصادية والاجتماعية والقومية «11».
وسوف اكتفي بالتدليل علي واقع التعليم في اليمن قبل الثورة بالدليلين التاليين من بين عشرات الأدلة:
حيث يقول الباحثان العربيان المصريان: حسن محمد جوهر-ومحمد السيد أيوب: كان التعليم في اليمن إلى ماقبل الثورة شبه منعدم، إذ كان في أضيق الحدود، وكان قاصراً على الذكور فقط، وكان التعليم قاصراً على تعليم القراءة والكتابة وحفظ القرآن، ومبادئ الحساب، وكان عدد المدارس في اليمن-طبقاً لكلام الباحثان 14 مدرسة «12».
وفي تقرير رسمي عن حالة التعليم في اليمن قبل الثورة صادر عن وزارة المعارف للحكومة اليمنية، مقدم من رئيس وفد «المملكة المتوكلية اليمنية» يحيى أحمد أحمد المضواحي إلى المؤتمر الثقافي العربي الثاني المنعقد في القاهرة بمصر في سبتمبر عام 1950م، عن طريق الإدارة الثقافية للجامعة العربية- بناء على طلب اللجنة الثقافية المذكورة في دورتها الخامسة-التي قررت فيها: «على كل وزارة معارف من حكومات الجامعة العربية أن تقدم للمؤتمر الثاني تقريراً عن الأحوال الراهنة والاتجاهات السائدة في المعارف، وعما اتخذته كل حكومة من الاجراءات في سبيل تنفيذ مقررات المؤتمر الثقافي العربي الأول».
حيث يشير التقرير أن «حكومة المملكة المتوكلية» انشئت المدارس في المدن الآتية بين ابتدائية وثانوية كما يلي:
مدارس ابتدائية وثانوية:
-اثنتين ابتدائية- وواحدة ثانوية-واحدة متوسطية في العاصمة صنعاء.
-واحدة ثانوية-واحدة ثانوية في تعز-واحدة ابتدائية في الحديدة-واحدة في حيس-واحدة ابتدائية في زبيد-اثنتين ابتدائية في ذمار-واحدة ابتدائية في معبر-اثنتين ابتدائيتين-واحدة ثانوية في حجة-واحدة ابتدائية في يريم-واحدة ابتدائية في رداع-اثنتين ابتدائيتين في النادرة-اثنتين ابتدائيتين في إب-واحدة ابتدائية في جبلة- واحدة ابتدائية في مذيخرة-واحدة ابتدائية في الحجرية-واحدة ابتدائية في ذي سفال-واحدة ابتدائية في مناخة- واحدة ابتدائية في قعطبة.
رياض الأطفال
يفيد التقرير أن وزارة المعارف بدأت بوضع نواة لهذا المشروع وفتحت روضة للأطفال في الحديدة.
مدارس البنات
وطبقاً كما جاء في التقرير أنشأت وزارة المعارف في العام الماضي سنة 1949م أول مدرسة للبنات في العاصمة صنعاء تدرس فيها الفتاة العلوم الابتدائية، والشؤون المنزلية، والخياطة والتطريز.
دور المعلمين
وفي هذا الصدد يشير التقرير إلى أن وزارة المعارف انشأت «دارين للمعلمين احداهما في صنعاء، والأخرى في تعز«13».
هذه المعلومات التي أوردناها كماهي لانستبعد أن يكون فيها نوع من المبالغة لتجميل صورة النظام الإمامي.
علي عبدالمغني ودراسته الأولى
وفي ظل الأوضاع التعليمية السالفة وعندما بلغ الشهيد الملازم/علي عبدالمغني-سن السادسة من عمره-وكغيره من أطفال اليمن-كان «الكتاب» هو المحطة الأولى في مسيرته العلمية والمعرفية، حيث التحق في «كتاب» قرية «تيعان» ليتلقى تعليمه الأولي بذكاء متقد، وبعد أن أتم دراسته هناك «في القرآن والتجويد وعلوم الدين والحساب»، ونظراً لتفوقه في ختم القرآن الكريم وحفظه لأحكام التجويد-وهو في سن السابعة-وحصوله على المرتبة الأولى بين زملائه، ونظراً لتفوقه وذكائه وأخلاقه العالية وسلوكه الحسن قررت هيئة «الكتاب» أن يقيموا له «حفلة» تليق بالمناسبة، ولم تقتصر على توزيع الحلويات وإقامة الولائم، بل امتدت إلى زفة بدأت موكبها من «الكتاب» بمشاركة عدد من زملائه وأساتذته وأفراد أسرته وأقاربه، وهو في مقدمتهم يمتطي صهوة حصان، وبين يديه أكليل من الزهور ولوحة كتب عليها سورة «يس»، وصولاً إلى قرية محل بيت الرداعي، مسقط رأسه، وهم يرددون الأناشيد الطلابية، والزغاريد الشعبية، وكانت تلك الزفة كما يقول عبدالوارث سعيد عبدالمغني هي الأولى من نوعها التي لم تشهد مثيل لها في المنطقة «14».
مدرسة الأيتام بصنعاء
وفي العام 1946م انتقل علي عبدالمغني إلى صنعاء لمواصلة دراسته في مدرسة «الأيتام» وهو في السنة التاسعة من عمره، وبما أن أي طفل من أطفال اليمن لايمكنه الحصول على قبول للدراسة في مدرسة الأيتام إذ لم يكن لديه واسطة نافذة ومقبولة وساطتها لدى أركان النظام الإمامي، فما كان من الطفل الذكي اليتيم علي عبدالمغني إلا أن يتجه إلى منزل الوزير حسين الكبسي باعتباره من أبناء منطقته حاملاً إليه توصيه من وكيله على املاكه في مديرية «السدة» وطالباً مساعدته لكي يلتحق بمدرسة الأيتام-فلبى طلبه كما يقول عدداً من أقاربه-ولم تمضي سوى أيام قلائل ليجد نفسه في مدرسة الأيتام، وهناك كانت المفاجئة السعيدة بالنسبة له، لقد قررت لجنة الاختبارات في المدرسة الحاق الطالب علي عبدالمغني بالصف الرابع متجاوزاً ثلاثة فصول، نظراً لذكائه ولمستواه المتقدم، وكانت تلك ميزة لاتمنحها المدرسة إلا للطلاب المتفوقــين«15».
فواصل دراسته بتفوق حتى أكمل الدراسة في هذه المدرسة الذي كانت الدراسة فيها ونظام أدارتها وكل جوانب الحياة فيها قاسية كما يقول أحد الطلاب المتخرجين منها، إلى حد أنها-وفق وصفه-كانت أكثر من سجن لطلابها- حيث كانوا يستيقظون تحت ضربات أسواط الأساتذة والمراقبين وغيرهم، ويتلقون الدروس الابتدائية تحت الضرب، ويؤدون فروض الصلاة تحت الضرب، ويتناولون حتى «الفطور والغداء» تحت الضرب أيضاً، إلى حد أنه إذا وقف أحدهم أو شاهد الأستاذ «سيدنا» بتسكين حرف الـ«ي»، ويصاب بحالة رعشة تهز جسده الهزيل من شدة سوء التغذية، مضيفاً بقوله: «كما أن كبار السن من الطلبة يقومون باضطهاد الصغار والمستجدين»، راجع «المقدم علي بن علي الحيمي صـ408-ثورة 26 سبتمبر «دراسات وشهادات للتاريخ» الكتاب الثاني- اعداد وتوثيق مركز الدراسات والبحوث اليمني- صنعاء 1987م».